لم يكن الكاتب المسرحي الاسكتلندي ديفيد غريغ حاملاً معه خرائط أو صوراً عن معالم مدينة دمشق عند قدومه إلى سورية، ولم يكن يحمل معه توقعات عن طبيعة طلاب النقد المسرحي المقرر له إقامة ورشات عمل معهم، لكنه سرعان ما ألهم بحماسهم الذي فاجأه بقرابة عشرين نصاً مسرحياً كاملاً بعد بضعة أشهر من انتهاء لقاءاته معهم فكان نتاج تلك الجهود كتاباً بعنوان “حكاية الروح والإسمنت” اختار فيه المدينة إطاراً لمواضيع المسرحيات الأربع الذي يتضمنه للكتاب مضر الحجي سومر داغستاني، وائل قدور، عبد الله الكفري. برونز الحجي إن أهم معالم مسرحية “برونز” للكاتب مضر الحجي عرضه لمعاناة شخصيات مختلفة مع صعوبات حياة كل منهم والتي تقودهم للقيام بردات فعل مختلفة تتركهم ضحايا لمزيد من الصعوبات وتسبغ على المسرحية قالب الدوامة التي تبدأ وتنتهي بالمشهد نفسه والمشكلات نفسها من دون حدوث تغيير. يذكر لنا الكاتب عذاب هاني مع الذاكرة القوية التي تحضر في غرفته الرطبة بحضور حبيبته جيسي البرونزية إذ تغزو ذاكرته تفاصيل حياته السلبية عن زوجته وابنه الذي يفقد بصره وحتى أكياس القمامة وغيرها الكثير ما يصعب عليه الاستمتاع بوقته معها إن رغبة هاني بالانزواء إلى الغرفة التي استأجرها لمقابلة جيسي فقط هي بمثابة مهرب له من عالم الحقيقة التي لم يجد فيه له حولاً ولا قوة أمام مشكلات كبيرة أفقدته الأمل الضروري لإكمال حياته الطبيعية ذلك الأمل الذي يولد في كل إنسان الرغبة لبذل الجهد الأكبر لحل مشكلاته ربما لم يكن هاني متهوراً خالياً من الإحساس لكن فقدانه لبصيص الأمل وإدراكه لاستحالة قدرته على فعل أي أمر يصلح من مشكلاته قتل في نفسه أي شعور أو أي رغبة حتى لأن يهب بكل ما فيه من قدرة لمساعدة ابنه الضرير مثلاً وبما أن الغريزة البشرية تفرض على أي إنسان أن يكرس نفسه لأمر من اختياره تكريساً يدفعه بكل وجدانه وقواه ووعيه لتحقيق الهدف الذي يؤمن هو بأنه جوهر حياته فإن يأس هاني من قدرته على تحقيق ما يجده جوهرياً في حياته يأسره في دوامه حب جيسي وجلنار وغيرهما فيكرس لهن وقته وماله ليستأجر تلك الغرفة البرونزية ويهرب إليها. يأخذ “البرونز” حيزاً كبيراً من معاناة شخصيات المسرحية لكنني لا أعتقد أنه سبب المعاناة الأساسي ولا الموضوع الأشمل لها إذ يمكن أن نرى وجه الشبه بينه وبين رغبة صديق هاني البدين الفقير للحصول على أفخر وأثمن أنواع السجائر والخمر على الرغم من حالته المادية السيئة جداً، إذ إن جيسي وجلنار والروزمان والويسكي البلاك هي بديل جوهر الحياة الذي يدفع هاني لاستئجار تلك الغرفة والتعلق الشديد بها ويدفع أدهم الضابط ليعتقل أي أحد وينفق أي مبلغ من المال مهما كبر وتدفع أيضاً صديقه البدين إلى السرقة للحصول على الروزمان. الذاكرة الشرسة إن الضابط الذي لم يفهم هاني عندما حدثه عن الذاكرة الشرسة والألم الكبير من أول المسرحية، وبعد أن سمع باقتراب طرده من منصبه، أصبح البرونز بالنسبة له بديلاً للأمر الذي كان يشكل جوهر حياته وهو السيطرة التي كان يتمتع بها من خلال سلطته فأصبح يناجي جلنار وهو بأمس الحاجة إليها إذ إنه أصبح أكثر وعياً لأنواع جديدة من الألم والذكريات لكن خلط الكاتب بين ألم الذاكرة الناتج عن عطب حياة صاحبها وبين ألم الشوق للمتعة التي كان يقضيها كل من هاني وأدهم مع حبيبتيهما والتي يمكن أن يعيش أي شخص في أي مكان وزمان يجعلني أشك أن ما ذكرته عن النفسية فاقدة السيطرة وآلامها هو فعلاً ما رآه الكاتب في عمق شخصياته. المدينة موضوعاً يمكننا أن نقول أن جوهر وضع المسرحية تحت عنوان “المدينة” واستعراضها للشخصيات المتنوعة البيئات والعقليات هو دراسة اختلاف سلوكياتها وردات أفعالها ولكن ظهرت الشخصيات في مسرحيتنا هذه متطابقة السلوك على الرغم من اختلاف تركيباتها لدرجة جعلت ما يملك الضابط والسجين من تشابه أقرب ما يكون بين صديقين على الرغم من أن الضابط كان يعذب هاني على الكرسي الكهربائي في الوقت ذاته فهل من المنطقي أن يكون هذا التشابه بمنزلة نقل لقساوة المدينة التي تخضع الشاعر والضابط والغني والفقير للدوامة نفسها؟ أم إنه مجرد ثغرة أسبغت على المسرحية صفة المونودراما في عرضها لتركيبة الشخصيات؟ قد يكون اخيتار هذه الصورة المسرحية المطروقة بالنسبة لجمهور دمشق، أي الضابط والسجين، صورة يدهش بها شخص مثل ديفيد غريغ الذي مازال فهمه لدمشق كالرضيع الذي تنجذب عيناه لأي جسم أمامه فلا ينفصل ماهو في المقدمة عن الخلفية الثانوية أو المكررة من محيط الرؤية، إذ إن ما لفت نظر ديفيد غريغ في هذه المسرحية هي العناصر التي استخدمت كمجرد أداة لإيصال جوهر المعنى في المسرحية والذي يمكن أن ينقل بآلاف الطرق الأخرى. فإن وصف غريغ لها بأنها “تتحدث عن قوة الكلمات على الجذب والصد”.. وأنها “مسرحية رومانسية بحق، قصة حب لم تتوج امرأة بعينها بل كانت من نصيب الحقيقة” فأي حقيقة التي توجت وقد انتهى المشهد الأخير بمستوى الفهم نفسه عند أدهم وهاني الذي لم يكتسب شيئاً من الألم سوى أن يبحثا عن نساء جدد لدخول تلك الغرفة البرونزية من جديد.
إرم ديوب
0