حكيم مرزوقي يدعو للحوار على (بساط أحمدي)
مضر الحجي
قدم نفسك كما أنت, وأنا سأقدم نفسي كما أنا, لنتحدث بصراحة, هكذا بدون خجل أو مواربة أو ادعاء, هكذا كل على طبيعته, هكذا على بساط أحمدي .
لعل النقطة الأولى التي يمكن أن تسجل لصالح عرض (بساط أحمدي) هي محاولته لطرح قضية معاصرة من جهة وإنسانية من جهة أخرى وهي قضية الإرهاب والعلاقة بين الشر ق والغرب والحقيقة إن مجرد طرح القضية لا يكفي لاعتبار الطرح نقطة لصالح العرض, إنما تكمن الأهمية في كيفية الطرح وشكل المعالجة, خاصة وأن طرح نوع كهذا من القضايا قد ارتبط في ذاكرتنا بكم هائل من المباشرة والخطابية والتعاطي السطحي مع الأمور, لكن المخرج حكيم مرزوقي يبدو واعياً لخصوصية القضية وخصوصية التعاطي معها مسرحياً.
يقدم العرض علاقة بين يعقوب (عروة العربي) صانع السجاد الشامي, وجوليان (عروة كلثوم) السائح الفرنسي الذي طالت إقامته في دمشق وقد غاص في تفاصيلها حتى سحبته إحدى التيارات الأصولية المتطرفة لتحوله من جوليان إلى جلال الدين وتكون السجادة سبباً للقاء الشخصيتين ولنشأة علاقة بينهما قائمة على المنفعة المشتركة , لكن هذه السجادة (الإشكالية) تتحول من سبب لقاء إلى تاريخ مشترك ينتهي الكشف عنه إلى كشف رابطة الدم بين الطرفين ومع تداخل المصالح يأخذ الحوار بين يعقوب وجلال الدين شكلاً آخر سرعان ما ينتهي بالشخصيتين إلى حافة الهاوية عندما يضع يعقوب يده على صاعق الحزام الناسف الذي ينوي جوليان تفجيره بالمجموعة الأجنبية التي ستزور المكان. عمل المرزوقي من خلال النص على خلق شخصيتين متكاملتين محاولاً عدم الوقوع في مطب التنميط خاصة وأن الشخصيتين ليستا من النوع الجديد على ذاكرة المتلقي السوري ( الحرفي الدمشقي, الأجنبي المعجب بالحضارة الشرقية) فشخصية يعقوب تحمل بنيتها الخاصة التي تتراوح بين العاطفية والنفعية الخالصة وشخصية جوليان تتميز باستعدادها للتلون بالمحيط الذي يحتويها, مع بوادر قلق يعتريها وتساؤل ينتهي بها إلى الإحساس الطفيف بالضياع الذي لا يصل إلى مستوى التغيير في اتجاه الشخصية, وقد ساهم هذا البناء الشبه متكامل للشخصيات في خدمة حبكة النص على الرغم من بعض إشارات الاستفهام التي واجهت بعض لحظات الحكاية, فهل يكفي مجرد تعرف جوليان على شيخ طريقة ليبرر تحولاً خطيراً في شخصيته, ابتداء من تغيير الدين مروراً بالتطرف انتهاءً بقرار العملية الانتحارية؟ وما هي الدوافع التي قادت يعقوب للشك بأصله وبانتمائه لأبيه؟
تدور أحداث النص في دمشق لكن خصوصية مشغل السجاد أعطت المكان بعداً تجاوز الدمشقي أو العربي وتعداه إلى الشرقي الإسلامي ومع ذكر أنواع السجاد تحضر الأمكنة (التبريزي,البخاري) ولعل اختيار السجاد كان موفقاً من قبل الكاتب إذ أنه من أكثر الحرف التي تتمثل فيها روح الشرق وتلتقي فيها الحرفة والفن, وإلى حد ما تتوضع السجادة على الأرض لتشكل أرضاً أخرى بل وربما تتماهى معها, وهنا لا بد من استذكار حديث يعقوب عن (السجادة والمدينة والمرأة) العالم بالنسبة له.
لم تكن الفترة الزمنية التي تحتوي الأحداث واضحة بل وربما انتابها بعض الخلل فلغة يعقوب تحيلنا إلى فترة زمنية معينة ولا أقصد هنا اللهجة, بل المفردات كمفردة(المالكانات) في المقابل نجد جوليان وهو يتحدث عن العربية الفصحى يأتي على ذكر( الراديو والمسرح القومي) طبعاً هذا بالإضافة إلى حضور قصة جوليان الذي تحول من سائح إلى متطرف انتحاري, والنظر إلى هذه الحكاية بوصفها ظاهرة ترتبط بفترة زمنية معينة.
على مستوى العرض حاول المخرج أن يخلق مشهداً بصرياً جميلاً بسيطاً وموظفاً, عبر فضاء أساسي يحتل المساحة الأكبر من الخشبة ويحتضن معظم الأحداث, وتمر عليه كل مراحل العلاقة بين الشخصيتين, هو مشغل السجاد بوصفه مكان المنفعة التي جمعت يعقوب وجوليان ثم مكان يحتوي تاريخهما المشترك المتمثل بالسجادة التي احتضنت الخطيئة والتي انتجت بدورها جوليان أو جلال الدين, وفي النهاية كانت المكان الذي احتوى نهايتهما معاً. أما الفضاءات الأخرى المتخيلة (مجلس الشيخ,بيت يعقوب) فقد تحددت من خلال الإضاءة التي عمل الخرج على التعامل البسيط معها وعلى توظيفها درامياً وخاصة في المشهد الأخير. كذلك الأمر بالنسبة للموسيقا التي عملت على الدلالة على المكان كما في مشهد الديسكو والموسيقا التي سبقت بداية العرض والتي حملت طابعاً شرقياً بحتاً.ولا يوجد في العرض ما يمكن اعتباره ديكوراً فقد اقتصر على طاولة المشغل التي تعدد استخدامها و الأصيص الذي النبتة التي اعتنى بها يعقوب العاشق للحياة والذي يفضل العيش في سبيل الله. كما يستعين العرض بشاشتين أو ستارتين تعرضان صوراً مرتبطة بالأحداث الشاشة في العمق عرضت صور الأب الذي بدا مرة شبيهاً بيعقوب ومرةً شبيهاً بجوليان والمشترك بين الصورتين الطربوش الذي نراه في الوقت نفسه حاضراً على الشاشة الكبيرة, لتأكيد حضوره الدلالي في حياة الشخصيتين وفي المسرحية ككل.
لعب الأدوار كل من عروة العربي وعروة كلثوم وهما من الخريجين الجدد للمعهد العالي للفنون المسرحية, ويسجل لهما الجهد الواضح الذي بذلاه للنهوض بأدوار صعبة كهذه وهما في بداية مشوارهما الاحترافي.
يبدو جلياً أن الموضوع الذي اختاره حكيم مرزوقي هو موضوع شائك بامتياز سواء على مستوى البحث في الإرهاب وأصوله والعلاقة مع الدين والعلاقة مع الآخر وحتى العلاقة مع الحياة والموت, وفكرة الانتماء, وفكرة الهوية ومن الطبيعي ألا نطالب عرضاً بالضلوع بكافة هذه المستويات خاصة وأنه يعترف بوجودها, ولا يحجم القضية أو يتعاطى معها بشكل سطحي, وفي (بساط أحمدي) محاولة غير مدعية لتقديم مشهد ملم بمفردات القضية, وبأبسط الشروط المسرحية.

اترك رد